ابراهيم بن عمر البقاعي

606

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما ذكر سبحانه ما شق العدم بإيجاده من غير سبب أصلا ، أتبعه ما سببه عن ذلك فأنشأه من العناصر التي أبدعتها يد القدرة في الخافقين ، فقال معبرا بالفعلية تذكيرا بما يوجب لهم الاعتراف بما اعترف به نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم من أنه وحده ربه لا شريك له في ذلك ، فيوجب التوكل عليه وحده : جَعَلَ لَكُمْ أي بعد أن خلقكم من الأرض مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً يكون بالسكون إليها بقاء نوعكم ، ولما كانت الأنعام ومنافعها لأجلنا قال : وَمِنَ أي وجعل لكم من الْأَنْعامِ التي هي أموالكم وجمالكم وبها أعظم قوامكم أَزْواجاً أي من أنفسها ، يكون بها أيضا بقاء نوعها ، وكذا جميع الحيوانات ، ومعنى قوله مغلبا العقلاء : يَذْرَؤُكُمْ أي يخلقكم ويكثركم ولما كان الأزواج في غاية المحبة للزواج بحيث إنه مستول على القلوب ، كان كأنه محيط بهم فقال : فِيهِ أي في ذلك التزاوج بحيث يجعلكم مولعين به ، من قوله ذراه : خلقه وكثره وأولعه بالشيء ، فيكون لكم في الأزواج من البشر نطفا وجمالا وولادة ، وفي الأنعام غذاء وشرابا واكلا ، وغير ذلك مما لكم فيه من المنافع ، ولا تزالون في هذا الوجه من الخلق والتزاوج نسلا بعد نسل وجيلا بعد جيل . ولما تقرر في الأوهام وثبت في كثير من الأذهان أنه لا يكون شيء إلا بسبب التزواج ، كان ربما سرى شيء من هذا الوهم في حق الخالق سبحانه فنفاه على أبلغ وجه بقوله : استئنافا في جواب من يسأل عنه : لَيْسَ وقدم الخبر لأن المراد نفيه فأولاه النافي دلالة على شدة العناية بنفسه فقال : كَمِثْلِهِ أي مثل نفسه في ذاته ولا في شيء من صفاته : شَيْءٌ يزاوجه أو يناسبه ، وكل ما اتخذتموه وليا من دونه ، فله ما يزاوجه ويماثله ، فالمراد بالمثل هنا النفس وهو أصله وحقيقته في اللغة من قولهم : مثل الرجل يمثل - إذا قام وانتصب ، قال الإمام عبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي : والمثل يكون هو الحديث نفسه مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [ الرعد : 35 ] فمثلها هو الخبر عنها ، وقيل : المثل ههنا الصفة وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ [ البقرة : 214 ] أي صفتهم ، نقل ذلك الهروي ونقل عن أبي عبد اللّه القزاز قوله : ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ [ الحج : 73 ] كذلك ، لأنه قال : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ الآية فصار الخبر عن ذلك هو المثل ، قال : وهو على أصل ما ذكرنا أن مثل الشيء صفته وصورته ، وروي عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه قرأ مثال وقرأ أمثال الجنة التي وعد المتقون ثم قال : وهذا كله يدل على أن معنى ( مثل ) صفة وصورة ، قال أبو عبد اللّه : مثلت له الشيء تمثيلا : صورته له حتى كأنه ينظر إليه ، وفي الحديث : « مثلت